ثقافة البرودكاست

0

بعد تأملٍ في ماهيّة مواقع وبرامج التواصل الاجتماعي، بأنواعها، أجد أنّها أقرب إلى أن تكون مضخة "برودكاست" قصير عشوائي بمعنى حيناً وبلا معنى أحياناً، سواء كان هذا البرودكاست صوريّاً أو نصاً مكتوباً كما في الأكثر منها،  أو حتى بضع رموزٍ تعبيرية تقوم بدورها بإيصال رسالة مبطنة. 

قضية الوقت المُستهلك على هذهِ المواقع والتطبيقات قضية قديمة، عادت بي إلى مايزيد عن خمس سنوات  عندما كانت تمتلئُ الصحف بمقالات عن "الإدمان" للشابكة ووليداتها من هذه المواقع والبرامج والتطبيقات، وكذلك الفقرات الصباحية على القنوات الإخبارية التي تسرد إحصائياتٍ عن حالات الإدمان والساعات الضائعة فيها وعليها وما يتبعها من أضرار ومخاطر..
أما يومنا هذا فلم يعد يتحدث أحد عن الإدمان، لأن الكل مدمن ببساطة! :)  فالوضع المجتمعي السليم يفرض بك أن تكون بجوار هاتفك 7/24 وأن تلفتَ للجديد من إشعارات، وأن تكون على دراية بكل جديدٍ على الساحتين السياسية والمجتمعية وحتى التقنيّة.

أتذكّر عام 2007 عندما أعلن ستيف جوبز عن أول هاتف ذكي، الهاتف الذي بعد ولادتهِ نشأت سلالة جديدة من الهواتف الموسومة "بالذكاء" وانقرض ماعداها، وتكاثرت جينات التطبيقات والتي أعقبت نقلة جذرية في الحياة البشرية على كافة أصعدتها.

لحظة، هل تذكر كيف كنا نعيش قبل 2007؟هل تذكر متى ظهر الواتس أب؟ وأشقاؤه التليقرام والمانجو؟ . . بنترست؟ قوقل بلس؟ المضخّات الصورية - انستقرام وسناب شات؟هل تذكر متى أول مرّة حجزت معرّفاً لك في تويتر؟ وهل تُلاحظ كيف تغير العصفور الأزرق خلال كل هذهِ الأعوام؟ والأهم، كيف تغيرنا نحن؟!

 ألم نكن نحيا حياة طبيعية؟ القصة بما فيها أن غلبة التأثير الجماهيري تؤثر علينا بشكل أو بآخر.

وعموماً، ليس هذا إلا استرسالاً ساح عنده قلمي لما أردت جعله مقدمةً، فالمعضلة الحالية هي خداع النفس بإلباس "البرودكاست" ثوب التّثقيف والعلم، وإيهام الذات بالفوائد المجنيّة على حساب الأضرار الواقعة لا محالة.
وإن كنت لا أنكر أن لها دوراً إيجابيّاً في موضوع التعليم وبناء الثقافة، إلا أنها تظل أشبه بفقاعة، خدعة كبيرة يقع فيها الناهمين للعلم السريع.

خذ على سبيل المثال، إذا كنت تتابع عدداً منوّعاً في أقلّه 100، وجميعهم ذوو علم - في أفضل الأحوال-، [وبهذا أكون قد نحيّت جانباً نقطة "البلاهة المكتسبة" و"الآثام الواردة" من قائمة الآثار السلبية، كما سأتجنب الخوض في موضوع المخالفات "الاجتماعية" والدينية"]، . . وبمعدل تغريدة " أو برودكاست " واحد فقط لكل حساب، أي 100 مختزلة في 140 حرفاً  -وهذا أقصرها :) ..
يا ترى . .  هل تقرؤها جميعها؟ هل يتاح لك الوقت لتستوعبها وتقلّبها، لا لتمررها على عينيك أو عقلك؟ لتتفحصّها وتمحصّها و تتأكد من صحتها ومصادرها؟

وإذا ما التفتنا لمُخرجات حياتنا الضائعة بين ضفافها، يتشكل حينها أمامنا حجم الخدعة التي نعيشها.

ما إن يرتدّ إليك طرفُك حتى تجد إصبعك تتحرك لتمرير الصفحة إلى أسفل استقبالاً لتدفق "برودكاست جديد"، وإن افترضنا جدلاً قيمةً لها، فإن التعبئة السريعة والزائدة لكميات مختلفة من المعلومات القصيرة المتتابعة لا تعطيك الفرصة للتمعّن والتفكير فيها.

إذن فثقافة البرودكاست تتسم بالتضليل! ولا حاجة لي في أن أضرب مثالاً على أشكال التضليل المختلفة، ولكن سأنوّه على شكلين قد يغفل عنهما القارئ. إن الأشياء التي تمر على العقل وإن كانت عابرة سريعة تؤثر فيه بشكل أو بآخر، - وارجع لعلم النفس المعرفي فيما يخص هذا الموضوع- مما يعطي نتيجتين، الأولى، أن تضللك المعلومات العابرة والأقوال الخاطفة بشكل لا مباشر ولا متوقع، وثانيها، أن اختلاطك "الوهمي" وتتبعّك أو تربّعك لساعات وسط "المجالس الوهمية" للعلماء" أو المثقفين أو السياسين أو غيرهم ستلقي عليك "وهم" كونك واحداً منهم. .


ثقافة البرودكاست السائدة حالياً أدت إلى تفشي الخداع التصوّري قبل التصويري، وكثرة طلبات "الفتوى" التيك أوآي ، والتحليلات الخالية من أي منطق، والتشكي "المتسوّل للتعاطف" وتعاطي الأحداث المجتمعية والسياسية وتضخيمها بصورة لا تُقدم فيها ولا تؤخر، وإنما أحياناً قد تزيدها بلة وبلبلة، كما يحدث حالياً وسط الأزمة، فتشعل أضواء المسارح صادحة بالمهاترات السياسية، وتتضارب المعطيات، وتتكشف هولويدات الطوائف الفكرية.

 وأظننا في غنىً عن كل ذلك!

القراءة العابرة وحتّى المتأنيّة لكومة البرودكاست اليوميّة لا تصنع سوى "مُلم" بأوضاع الساحة، أو مثقّف استعراضي" في أحسن الأحوال.


أضف لما سبق أنها عامل أساسي في تنمية الكسل والعجز، وإذا بحثت عن أكبر مسبب لمشكلة التشتت فستمثلُ - صديقتنا- في أول القائمة.
ولا يخفى على أحد صناعتها للحظات الخاطفة، فلا تمنح التّجربة الكاملة، ويتفضّح ذلك جلياً بهوس المشاركة، وأجزم أن التجارب الناجحة والأفكار العظيمة والخواطر الصادقة هي التي لم تجهض بنشرها.


وبعد هذا، لنضع بضع تساؤلات :
بين كلّ ما تقرأ وما تكتب . .

- هل لها من تأثير حقيقي نافع في عقلية المتلقي ؟
- ثم أين موضع المسائل العليّة التي انشغل النّاس عنها بالسّفاسف؟
- أين ثمرة التحليلات والاستنباطات السياسية؟
- ما فائدة الانشغال بتحليل صحة الدّعاوى؟
- كم منها تعمل بشكل أو بآخر على الأدلجة والقولبة والتنميط؟
- كم منها يفتقر للمنهجية؟

وضع في بالك هنا، أنني أتحدث عن الصفوة من جموع "البرودكاسترز" !

إذن مواقع التواصل :

- لا تصنع مثقف حقيقي - والحظ أني قلت مُثقّف ولم أقل عالم أو مفكّر أو فيلسوف :) -، ببناء علمي متماسك، وإنما تكتفي بتكوين "سطحي" وهمي" هش ، لا ينفع إلا للاستعراض.
- مضيعة للوقت أكثر من كونها منفعة، لأن تنمية المهارات الحقيقة يُستحال في حضور "مسارح الاستعراض". .
- تشتت ذهني، تتشت أسري، تشتت نفسي :)
- تربية طبع العجز والكسل والنهم في الأخذ السريع. قارن عدد الساعات المقضية في تمرير البصر بين النصوص العابرة، وفي دهاليز المواقع والبرامج وبين مصادر النفع الحقيقية، سواء دينياً أو دنيوياً ، وأقرب شرح لمقصدي، أن القراءة قراءة، سواءً كانت لكتاب أو لمُصحف أو لبرودكاست، مقياس الحروف واحد، إلا أنّ مع ذلك نتثاقل ونستطيل القراءتين الأولى والثانية وننشط للثالثة وربما نخبتُ لها بالسّاعات، مع أن القراءة في جنسها واحد!؟ فهلّا تساءلت عن السبب؟
أقولها لك، لأن الأخيرة تنسجم مع "الأهواء " لأنّها تُشبع رغباتنا. ثم ألا تجدُ أننا نستلذ بالعلوم القصيرة والوجباتِ السّريعة؟

وعموماً، فمن الرزايا أن أناصح فيما أن واقعةٌ فيه، لكن لعلي احتسبها هروباً من معتقلات الخطايا . .



#

هل تظن بعد هذا المقال أو الخواطر أو أسمها ما شئت، أنك قادر على مواجهة الطوفان؟


#خواطر: الأنثى وجاهلية العصر

0


بتُّ استغربُ النسق الاجتماعي "الشاذ" المفروضَ على المرأة "بإرادتها"، ويُفهم هنا كيف تمّ فرضه  بكامل الإرادة الذاتية، لأن الجهل نصب سرادقه علينا!
النسق الذي يدفع المرأة إلى أن تشقى وتكافح من أجل فرص سوق العمل!
أتساءل، هل وضع الأنثى الطبيعي - أياً كانت- هو إيجاد وظيفة بعد التخرج؟
أين سُعاة الحريّة عن قيود "العمل النظامي"؟ . . لاعجب، فلكلٍ فيه مآربُ أخرى !
كيف ترضين وأرضى ونرضى -طبعاً هم يرضون- أن نكون في إطارٍ متوّتر خانق، الإطار المقيّد بالأعراف الشائعة، والأفكار العوجاء سواءَ كانت آتيةَ من غرب أو شرق.

***
بالنّظر إلى صورة المرأة في الأدب العربي :
المرأة "نؤؤم الضّحى" و "بيضة خدر لا يُرام خباؤها" و "يكاد يصرعها لولا تشددها إذا تقوم إلى جاراتها الكسلُ" و "تضحي فتيت المسك فوق فراشها".

ورجاءً لا تنظر لما سبق على أنه الجاهلية، فالواقع أنّها- المرأة- الآن تتحول تدريجياً "لجارية" !



 الجواري .. والعبيد.. و . . الإنسانية . .  لابد أن تقفز هذه الكلمة إلى السطور بعدها!
وعلى ذكر الإنسانية، هل تجد أن المعنى الحقيقي للحصول على "لقمة العيش" هو أن تتزحزح صباحاً إلى عملك، وتترنح على كرسيّك متنظراً أوامر "السيد المدير" فتعمل بطلباته وتلبّي رغباته، ثم تنتظر في نهاية الشهر ما يسدّ رمق عائلتك أو بالكاد، ثم تئيض كل ليلةٍ إلى فراشك وهكذا؟ وينقضي العمر . .
إذا كانت رؤيتك أن هذا هو "النمط"المفروض والصحيح فراجع إنسانيّتك!
ولتعلم أن معالم الإنسانية في المرأة أوضح، ولا تجنح لأرباع المثقفين في هذا الزمن، ممن يحسبون ذلك تجهيلاً للمرأة، وهضماً من مكانتها وانتقاصاً من حقوقها، و تيقّن بأن مساعي "البناء- على حد زعمهم-" وعلى هذا النحو، لن تُضيفَ للقارورة إلا الخدوش والثّلمات.

وعموماً، أظنك بعد هذا عرفت مقصدي بـ"الجواري" . . .


 هل هي دعوة للكسل؟
لا، بل دعوة لإعادة الأمور إلى مجراها الطبيعي، ولكل أصلٍ استثناءات يعرفها اللبيب، واضطرارات تستدعي أن نُجيب، أما الجدّية في الطلب ثم المباهاة بالمنصب، فهو خراج المجتمع المشوّه الذي يغرر بنا "بانتزاع الحقوق" ويغرينا "بتحقيق الذات".

وفي النهاية، العمل الحقيقي للأنثى، لا يحكتر بمكتب، ولا بمطبخ :) بل هو السعي لأن تكون شخصية مقدورة ذات أثر يُحسب، ولست بصدد الكتابة عن ذلك هنُا، لكن اعلَم أن العلمَ والثقافة الغزيرة عامل مُعين على الإحسان. وللأنثى أولويّة عُظمى في هذا الجانب.
 وعلى ذكر الثقافة، هل تعرف بعد هذا كله ما المشكلة السابقة لمشكلتنا هذه؟
هي أن التصور العام عن "العلم" - والذي يغيضني لأبعد حد- يختزل في النهوض وافتتاح أبواب الجامعة والانصات لساعاتٍ طوال لمتحدثين عن أمجادهم، أو ساردين لمعلومات متفرقة على شكل قصص ما قبل النوم أكثر مما هو شرح وانسكاب للعلم . . . و اللهمّ إني أعوذ بكَ من علمٍ لا ينفَع!

للأسف أننا في زمن الاضمحال العقلي والنفسي الذي تُنسى فيه أصول الأصول!


المهم ... كانت خواطر عابرة بعد الغداء، اقتصصت جزءاً منها لتدوينة أخرى يوماً ما  :)

نسخة إلى : عبيد الحضارة الماديّة

أربع الجنان في سورة الرحمن

0

البارحة قبل منامي استمعتُ لسورة الرحمن، وليست المرّة الأولى، ولكن على غيرِ العادة من خلال فيديو مصوّر ومُترجم للآيات عبر اليوتيوب ..

ولربّما مشاهدتي تلك هي ما لفتتني لأمرين من خلال التصوير والترجمة، فالأول أنني وقفتُ على كثير من المفردات والمعاني التي لم أقف عندها سابقاً، وأما الأمر الثاني فهو إدرك أن الأول ما كان إلا نتيجة لتقصيرنا في الفهم والتدّبر..

وليس هذا ما أردت أن أكتبُ عنه في هذه التدوينة، وإنما سأضع بين يدي القارئ تفسيراً مقارنا ومُخلصاً، أحسبه لو -كان مثلي- سيشعر من خلالهِ بأنه تلا السّورة لأول مرة، ولنعتبرها رحلةً تأمليّة قصيرة بديعة، وليست خواطر وتأملات ذاتية كما تُسمى، وإنما استندت فيها على خلاصة لقرائتي في تفسير الخازن والسعدي ومختصر تفسير ابن كثير ..


وهي ابتداء من الآية 46 :

وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)

وتعقبها أوصاف الجنتين لمن خاف ربه ..
ثم :

وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ(62)


وتعقبها أوصاف الجنتين الأخريين ..

أي أنهما أربع جنان منقسمتان اثنتين اثنتين ..



** وقد ميّزت الآيات الواصفة للجنتين الأولتين بالأخضر ومن دونهما بالأحمر لتكون أكثر وضوحاً ..


1) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ: أي واسعة الفناء فيها ظل الأغصان على الحيطان، ما يعني احتوائها على شجر كثيف يتخلّله الضوء ..ولك أن تتخيّل المنظر!

2) مُدْهَامَّتَانِ: أي خضراوتان، والمعنى فيهما شجر كثيف ممتلئاتُ من الخضرة ..
ولا حظ أن المنظر هنا الاحتواء على شجر كثيف جداً ولكن لا يتخلله ضوء .. فالمنظر أقل جمالاً!

***
1) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ: وقيل إحداهما يقال لها تسنيم والأخرى السلسبيل، ولاحظ أنهما جاريتان ولا أجمل ولا أنقى ولا أعذب من المياه الجارية..

2)فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ: أي فيّاضتان، والجري أقوى من النضخ، ولاحظ أيضاً أن النضاخة لا توصف بالجريان ولكن في الأولى قد توصف العين التي تجري بالنضاخة!


وأما عن الثّمَر :

1)فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ: أي من جميع أنواع الثمار مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر..

والجنتان الأقل منهما:

2)فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ : وهنا ذكر "فاكهة" بصورة نكرة وأضاف النخل والرمان لشرفهما على غيرهما، مما يعني أن الأولى أعم وأكثر في الأفراد والتنويع ..


وفي وصف الفراش:


1) مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ ۚ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ : والاستبرق الديباج المزين بالذهب، والحَظ معي أن هذا "باطنها"، أي تنبيه بالأدنى على الأعلى، فكيف بالظاهر؟
إضافة إلى وصف الثمر قريباً يتناولونهُ متى شاؤوا ..

2) مُتَّكِئِينَ عَلَىٰ رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ : والرفرف الوسائد ، والعبقري الزرابي، وهنا لم يذكر وصف الظاهر فلا تعرف عن الباطن شيئاً، وهو أقل من وصف الباطن وترك الظاهر مبهماً .. ولكَ أن تتخيل كيف سيكون الظاهرُ إذا كان الباطن من إستبرق؟


وبعد أن ذكر الفرش وعظمتها ذكر ما في الفرش :

1) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ : أي غضيضات عن غير أزواجهن، فلا يرين أحسن من أزواجهن، وقاصرات الطرف -على وزن فاعلات - بإرادتهن.

- والجنتان الأقل منهما:

2) حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ : ولاحظ أنهنّ مقصُورات وليس قاصرات كفرق بين فاعل بإرادته ومفعول به، ولا شك أن التي قصرت طرفها بنفسها أفضل ممن قُصرت ..

***
والبديعُ في السورةِ ترتيبُ الآيات للوصف الأول مطابقٌ لما تشتهيهِ النّفس .. فلو تأمّلت في ترتيبِ وصوف الجنتان الأولتين سيكون الترتيب كالتالي :


فأول ما ذكُرَ أسرُ النظرِ بجمال الضوءِ المتخللّ للأغصانِ، وجريان المياه، والفاكهة المتنوّعة ذات القطوف الدانية، وما بعد الأكل إلا الراحة، فأتى وصفُ الفرش، وذكر أن الطعام والقطوف آتيتُك لفراشك لو اشتهيت، وفي هذا تمامُ الرّاحة، ثم أعقب بوصف شريك الفراش الذي فطر الله الميلَ إليه ليكون أروع ما يكون وأعف ما يكون ..

وأما في الجنتين اللتين من دونهما، فواصفٌ لجمالٍ ولكن أقل روعة حتّى في ترتيبِ الآي -لمن لم يلحَظ- !!


وبعدَ هذا فما الفارق بين من استحقّ الأولى ومن استحقّ الثانية؟

فالأوّلتين : "لمن خاف ربه" ..


"وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ"

وأما الجنتانِ الأقل فلمن عملِ صالحاً، وهنا الفارق بين العابدِ العادي وبين من يخافُ الله في خلواتهِ، ويعبدُ الله كأنهُ يراه فجعلت له هذه المنزلة العظيمة..

ولعلّ هذا هو المقصودَ بالتقّوى !

قال طلق بن حبيب: إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى. قالوا: يا أبا علي: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.
 
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: وقد قيل إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل أبي بن كعب عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقاً ذا شوك. قال: بلى. قال: فما عملت. قال: شمرت واجتهدت.
 قال: فذلك التقوى.

وقد أخذ هذا المعنى ابن المعتز فقال:

خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التّقى
واصنع كماشٍ فوق أرض الشوكِ يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى !

ولنا أن نتخيّل ذنوبنا الصغيرة - في نظرنا- وذنوب الخلوات 


كيف ستجعل الفارق شاسعاً في الدار الآخرة!!



قال مُطَرِّف بن الشِّخّير :

" إذا اسْتَوَتْ سريرة العبد وعلانيته ؛ قال الله عزَّ وجلَّ : هذا عبدى حقًّا "

اللهم اجعلنا من المتّقين واجعلنا للمتقين إماماً !

#إضافة :

من فَهم هذهِ الآيات ثم أتبعها بقراءة سورة الواقعة وجد الترابط بين السور والحكمة في تتابعها، ولقد وجدت كتاباً يتضمنّ تصويراً رائعاً عن التقوى مستشهداً بأنواع الجنان . . أنصح بقرائته، ويمكن تحميله من خلال الرابط أدناه:

التقوى الغاية المنشودة والدرة المفقودة





ثمّ تتفكّروا

0
وجدتني خارجاً، في ليلٍ لفّ بردائهِ الكون واحتواهُ إليهِ لباساً وسكناً، إلا أنهُ على غير العادة الآن سقيمُ النّسيم. وجدتنِي أُنزّهُ ناظريَّ بين ظلمةٍ يتخللها أنوار، بعضها في الأرض وأبهرُها معلّق في السماء .. قمر تام ..
يُقال: القمر والحُبّ عنِدما لا يتزايدان يتناقصان .. من هذه المقولة يسعني أن أربط بين الأعجوبتين وتجددهما وديمومتهما ..
السّاعة بعد منتصف الليل، ليلة النصف من الشهر . .
وماذا عساني أن فعل في وقتٍ فيه الناس بين نائمُ وهائم وقائم ؟
سوى أن ألتمس نفحات من روحانيّة الليلِ وسكينتهِ، وأستلهم من نورِه المتربّع على عرشهِ وسط جواريهِ من النجوم الكافوريّة ...
"وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ"

في مرأى القمر تتبدّى لي جماليّة وروحانيّة وطمأنينة، جعلت لي علاقة وطيدة معه، ومما يحضرني الآن عن هذا الصّاحب المُسامر في ليّاليَّ، قول الرّحمن تباركَ وتعالى :

﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾




بالنّظر في قصة إبراهيم عليه السلام وفي الآية السّابقة، أجدُ روعة في الطريقة التي قدّم بها القرآن الكريم على لسان سيدنا إبراهيم مختصراً شاملاً شارحاً لقضيّة التفكير والتأمل..

بدأ ناظراً متأملاً، فاختار كوكباً ثم القمر فالشمس، أي أنه بنظرته تلك للفلك والسّماء ومافيها قد اعتبرَ موجوداتِ الكون مُعطيات للتفكير، ثم ألحق التفكير بتساؤلاتِ النّفس كأداة نقدّية محاولاً الإجابة عنها للإحاطة بالمسألة، فإذا كان القمر (المعطى) إلهاً" ؟ فلماذا أفَل؟ وبما أن التّفكير التأملي يعني التحررَ من قيود الهوى، وغرور العقل، لابد وإن يؤتي ثمارهُ ولو بعد حينٍ، وإن ترامت التساؤلات على قارعة الطريق وتكدّست، وإن طالت المُدة وترسبت المُعتقدات والمفاهيم القديمة ..

ولعلّي التمس في تكمِلة الآية درساً شاملاً .. أن الهداية تقوم بأساسين لا استغناء فيه عن أحدهما عن الآخر، فالأول التّفكر، وهو بمثابة بذل للأسباب وإنارة للعقل .. وثانيهما التوجه إلى "الهادي" بالدّعاء، فلا تكتملُ بدون هديهِ الخطوات، ولابدونهِ ترتبط الأمور، ولا تصل الخطوط إلى النهايات، فالإشارات قد تكون من حولنا والأدلة موجودة، ولا نوفّق للطريق، فكم من مُفكّر ضل، لأن الشطر الثاني من المعادلة مفقود .. كمن وجد فانوساً دون نارٍ وفتيل، فماينفعه حينها الإيجاد "للأداة/الوسيلة" دون مصدر النّور الحقيقي إذا تخبط في الظلام!


#
"فلمّا جن عليه الليل"
ألا يمنحنا هذا أحقيّة القول بأن الليل مخدع الأفكار وسبر الأغوار ؟



***
وفي ذكر إبراهيم أيضاً لنا آية أخرى :

فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ"

نظرتي لهذه الآية تتلخصُ في أن ما بعدَ العزلةِ إلا الخير ..

أّما ما أتى في ذكر العزلة والتفكر فآية جمعتهما معاً لتقدّم لنا حقيبةً من الدروس في سطر!

قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ


أن تقوموا لله .. 


إنّ عمليّة التفكر عمليّة سامية، بها تُشعل المشكاة للوصولِ إلى الحق، ولمّا كان الحق اسماً لله، استلزم درب الوصول إليه أن يكون نقيّاً خالصاً له، فيه التجرد من الأهواء والنزعات..


ولما كانت عملية التفكر وإعمال العقل ضرورة وأساساً للوصول، كان لابد من العزلة مثنى وفرادى ..

وذلك يفسّر أن التفكير لا يحدث وسط الجموع، ولا أمام الجماهير، بل بالانفراد، أو وجود صاحب صادقٍ يسعى هو الآخر لذات الهدف الذي تسعى إليه، حينها يكون وجودهُ معك تكاملاً وتنصاحاً، فيردعك أن نازعك الهوى ويحدّك عن الميلِ عن المسار المٌبتغى ..

في العزلة لا نظير أمامه تنهزم سوى نفسك.. لا منافسة مع آخرَ للظفر، لا هتافات ولا أصوات تلتبسُ بها أصوات عقلك ونداءاتُ قلبك، لا مجال للتّلهفِ لتصفيق الجماهير ولا الانصياعُ لغوائيتها، لا مجاملة أو خجل من أحد، لا يوجد من يهيجيك بالهوى عن الحق .. حينها يتحقق التفكير دون مخاتلة أو غش وخداعٍ للنفس.

درسٌ للتعامل مع أبسط الأشياء وأعمق الأشياء !

أي إننا في مواجهة حقيقة للعقل والقلب..والاحتكام إلى منطق الفطرة..

قال أديسون: " إنّ أفضلَ الأشياء تخرج من التّفكير في عزلةٍ تامّة" ..

وقد سبقهُ القرآن إلى معناها بكل وضوح في نص الآية السّابقة.  

 *** 
العزلة تفكير تعليمي، أو تعليم تفكيري .. لا أعلم أيهما أصح !

ومع ذلك مازال الكثير منّا يلبس العزلة وصاحبها ثوب الهروب من الذات قبل الهروب من المحيط أوالآخر..

والمجتمع -غالباً- يعادي فكرة أن تنشأ العقول أو يتكوّن الأفراد خارجاً أو بعيداً عن أسوار الاجتماعيّة وأحضانها والتمرّد على أفكارها .

#
هل يمثّل الحبس الانفرادي ونفي المخطئين للسجون كنوع من العقاب تفسيراً لنظرة المجتمع للوضع الطبيعي للبشر وللعزلة؟؟


إن تفسيري لكل من ينبذ العزلة نبذاً تاماً هو الانشغال بالأصوات المنبعثةِ من الخارج، وتجاهل كل الضوضاء الداخلية، فالانعزال والهدوء يشكف ذلك الضجيج المسمّى بالتفكير، ذلك السيلان المتدفق، الذي سيؤرّق كل من لم يعتد عليه ليهرب من مواجهتهِ بالانشغال بأي شيءٍ عداه.

****

# بكلمة أخرى :
أعتقد بل أوقِن أن التفّكر في خلق الله هو البداية والأساس لتعليم أسس التفكير القويم،
فابتداءً من أول مراحل التفكير السليم للوصول إلى العلم هو التخلص من الغرور المعرفي، والتفكر في عظمة الخلق ورب الخلق يجلي عن العينِ عمى الغرور ،ويذيبُ العنجهيّة والزّهو، فتصغُر الأشياء من حولك وتتقلّص أمام نفسك حتى تعلم إنك مُجرّد ذرة في هذا الوجود، مهما بلغت، وسيظلّ أقرب نجم إليك في أقاصي السماء أكبر من أن تراه وتستوعبه وتعلم حقيقته، فما بالك بالمخلوقات الأخرى؟ والعلم الذي شمل تلك المخلوقات؟ وما بالك بصاحب العلم وحده المتفرّد به الخلاّق العليم؟


أما ثانيها فهو تعليم للتفكير المنهجي، بالتغلب على العواطف والمشاعر ووزن الأمور بالقسطاس المستقيم ، فعندما يكون القيام لله، سيكون خالياً من شوائب الضلالة بعيداً عن التفكير التبعي المجتمعي الذي يسلم صحّة الأمور للأكثر اتباعاً بغض النظر عن التحقق بعقل لا تابع ولا متبوع ولا معتدٍّ بأهواء وآراء الجمُوع.

وأذكر ما قرأته في كتاب سيكولوجية الجماهير عن التأزييم والتأثير الذي يحدثه العقل الجماهيري على تفكير الأفراد وتضييق دائرة التعمق والتحليل والاستنباط عليهم.

ألا يفسّر هذا مانراه من كون الحكماء مانضجت حكمتهم إلّا في العزلة؟ وأنّ العلماء ماخرجوا بنتاج علمهم وعملهم إلا بعدما ابتعدوا لتخرج أعمالُهم من صميم النفس ؟

ومما يُلاحظ مؤيّداً لفكرة التفكير في معزل، أن القرآن في مجمل آياتهِ يخاطب ب: المؤمنين والناس موجهاً للجماعات نائياً عن التفرد إلا في التفكير ، جاء الأمر بالتّفرد ( أو التثني) ومجانبة العقل الجمعي وتأثيره وغوغائه..
 ولو لاحظنا أيضاً، فالعقل الجمعي في القرآن الكريم مذموم في أغلب المواضع :
 ولكن أكثرهم لا يعلمون، ولا يفقهون ولا يشكرون ولا يعقلون!!

***
#
الوصول للحقيقة يتطلب التفكّر بوعي ، والتفكّر لا يستقيم إلا بالانعزال، والانتزاح عن المحيط والوسط الذي نعيشُ فيه وهجرُ أفكاره ومقولاته، ليصفَى التفكير والتأمل بعيداً عن سلطة العقل الجمعي القاهر وهي عمليّة ليست بهيّنة.


 

الرؤية الضبابيّة لا تنجلي إلا "بواحدة" ..

 عظة واحدة إن تحققت استقام بها التفكير واستنار الطّريق..



اللهم اهدنا إلى نوركَ وأتمم لنا نُورنا كما أتممت هذا البدرَ بنورهِ ..


 

 12:25 ص 
الأثنين 10 يوليو

أرشيف المدوّنة

يتم التشغيل بواسطة Blogger.